مجمع البحوث الاسلامية
604
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وأمّا العرفاء والمتصوّفة فالحبّان عندهم على حقيقتهما يلمسونهما بقلوبهم ، بل يعيشون الحبّين ليل نهار ، ولا حياة ولا عيش لهم إلّا هذا التّحابّ ، كما مضى ويأتي . 5 - والعجب ممّن يعدّون في زمرة المتكلّمين كالفخر الرّازيّ والغزاليّ - إلى حدّ - أو من الفلاسفة كالعلّامة الطّباطبائيّ يترائى منهم الميل إلى جانب العرفاء في الحبّين ، وإليك نموذج من كلماتهم ، والتّفصيل تقدّم في النّصوص : قال الطّباطبائيّ في يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ : « فالحبّ معلّق على الذّات من غير تقييده بوصف أو غير ذلك ، أمّا حبّهم للّه فلازمه إيثارهم ربّهم على كلّ شيء ، سواء ممّا يتعلّق به نفس الإنسان من مال أو جاه أو عشيرة أو غيرهما . . . وأمّا حبّه تعالى لهم فلازمه براءتهم من كلّ ظلم ، وطهارتهم من كلّ قذارة . . . ذلك أنّ حمل المظالم والمعاصي غير محبوبة للّه - وذكر الآيات » . وقال الغزاليّ : « . . . ولا يظنّ أنّ الحبّ مقصور على مدركات الحواسّ الخمس حتّى يقال : إنّه سبحانه لا يدرك بالحواسّ ولا يتمثّل بالخيال فلا يحبّ ، لأنّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم سمّى الصّلاة : قرّة عين ، وجعلها أبلغ المحبوبات ، ومعلوم أنّه ليس للحواسّ الخمس فيها حظّ ، بل حسّ سادس مظنّته القلب ، والبصيرة الباطنة أقوى من البصر الظّاهر ، والقلب أشدّ إدراكا من العين ، وجمال المعاني المدركة بالعقل أعظم من جمال الصّور الظّاهرة للأبصار ، فتكون لا محالة لذّة القلوب بما تدركه من الأمور الشّريفة الإلهيّة الّتي تجلّ أن تدركه الحواسّ ، أتمّ وأبلغ ، فيكون ميل الطّبع السّليم والعقل الصّحيح إليه أقوى ، ولا معنى للحبّ إلّا الميل إلى ما في إدراكه لذّة فلا ينكر إذا حبّ اللّه تعالى إلّا من قعد به القصور في درجة البهائم ، فلم يجز إدراكه الحواسّ أصلا . . . والقول بأنّ المحبّة تقتضي الجنسيّة بين المحبّ والمحبوب ، فلا يمكن أن تتعلّق باللّه تعالى ساقط من القول ، لأنّها قد تتعلّق بالأعراض بلا شبهة ولا جنسيّة بين العرض والجوهر » . وأمّا الفخر الرّازيّ : فإنّه نقل الأقوال ، ولكنّه يضع قول العارفين قبال قول المتكلّمين ؛ حيث قال : « وأمّا العارفون فقد قالوا : العبد قد يحبّ اللّه تعالى لذاته ، وأمّا حبّ خدمته ، أو حبّ ثوابه فدرجة نازلة ، فاحتجّوا بأنّا نجد اللّذّة محبوبة لذاتها ، والكمال أيضا محبوب لذاته - وشرح حبّ اللّذّة والكمال وقال - : وأمّا العارفون الّذين قالوا : إنّه تعالى محبوب في ذاته ولذاته فهم الّذين انكشف لهم أنّ الكمال محبوب لذاته ، وذلك لأنّ أكمل الكاملين هو الحقّ سبحانه وتعالى ، فإنّه لوجوب وجوده غنيّ عن كلّ ما عداه ، وكمال كلّ شيء فهو مستفاد منه . . . » ثمّ تحدّث عن الشّوق إلى اللّه ، وفسّره بما لا مزيد عليه ، فلاحظ . وقال سيّد قطب : « فالحبّ والرّضى المتبادل هو الصّلة بينهم وبين ربّهم . الحبّ هذا الرّوح السّاري اللّطيف الرّفّاف المشرق الرّائق البشوش ، هو الّذي يربط القوم بربّهم الودود . . . » . 6 - تبادل الحبّ بين العبد والرّبّ أعلى مراتب القرب إلى اللّه وذروته ، ولا يبلغه إلّا المقرّبون ، ولا يلمسه